اسماعيل بن محمد القونوي

96

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة غافر ( 40 ) : آية 68 ] هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 68 ) قوله : ( فإذا أراده فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة ) فإذا أراده أشار به إلى أن القضاء بمعنى تعلق الإرادة الإلهية لوجوده من حيث إنه يوجبه والتفصيل في سورة البقرة فلا يحتاج في تكوينه لأن الأمر التكويني كاف فيه العدة بالضم وتشديد الدال وهي الآلة ومختار المصنف أنه لا أمر حقيقة بل المراد تعلق الإرادة الإلهية وأنه تمثيل وفيه اختلاف بين أئمة الأصول كما بيناه في سورة البقرة في قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 117 ] وَإِذا قَضى أَمْراً [ البقرة : 117 ] الآية . قوله : ( والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق ) والمراد ما سبق الأفعال المخصوصة من قوله : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ [ غافر : 61 ] إلى هنا أو من قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [ غافر : 67 ] الآية . قوله : ( من حيث إنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد ) حيث هنا للتعليل فهو تعليل لترتبه على ما قبله فإن القدرة منسوبة إلى الذات أي منشأها الذات العلي فجميع الأشياء الممكنة بالنسبة إلى الذات سواء فكما يستند إليها الآلات والعدد بنفسها وأبدعها بلا سبب ومواد كذلك أنه قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد لكنه أجرى عادته بربط المسببات بالأسباب ولذا قال غير متوقفة على العدد والمواد لم يقل بلا أسباب ومواد . قوله : والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق أي الفاء في قوله عز وجل : فَإِذا قَضى أَمْراً [ غافر : 68 ] نتيجة ما سبق من الأفعال من الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أن مقدورا من المقدورات لا يمتنع عليه فكأنه قال فلذلك من الاقتدار البالغ إذا قضى أمرا كان أهون شيء عليه وأسرعه إلى امتثال أمره النافذ وقبول حكم القاهر من غير توقف واحتياج إلى عدد وأسباب أخر قال الطيبي والمعنى اعلموا وتنبهوا على أن من كان قادرا على تلك المقدورات العظيمة كيف شاء ومتى شاء بلا مانع ولا مدافع كان أمره إذا قضى أمر لإعادة وجد كأهون شيء وأسرعه وقال وإنما قيدناه بذكر الإعادة لأن جميع ما ذكر من الآيات وارد عقيب قوله : إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [ غافر : 59 ] وقد عطف على هذا مجموع قوله : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] على طريق الحصول والوجود وتفويض الترتيب بينهما إلى الذهن يعني لما اقتضت الحكمة إيجاد الخلق للعبادة ثم ترتب الجزاء عليها وذلك عند قيام الساعة فلا بد من حصولهما ولكن أكثر الناس لا يؤمنون يستكبرون عن العبادة وينكرون الإعادة أفلا يتفكرون في تلك الدلائل الدالة على كمال القدرة ونفاذ الإرادة ليعلموا أن من كان قادرا على ذلك كان أمر الإعادة أهون شيء عليه وأسرعه وفي هذا التنبيه تقريع عظيم للمجادلين في الآيات الشاهدة على اثبات البعث واستبعادهم للإعادة ولذلك جعل هذه النتيجة تخلصا إلى إعادة أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ [ غافر : 69 ] على سبيل التعجب والتعجيب وسجل على جهالتهم وصرفهم عن الطريق الحق مع قيام تلك الحجج القاطعة والبراهين الساطعة بقوله : أَنَّى يُصْرَفُونَ [ غافر : 69 ] كما قال في تلك الآية : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ غافر : 62 ] .